" الحلقة الثالثة "
وقفت الطائرة ، وتهيأنا للنزول ، كلٌ يريد المضي لوجهته ، تجمعنا الغايات ، وتفرقنا السبل والوسائل …
بدأ الطابور يتحرك أمامي خارجا من الطائرة ، فتبعت قدمي أسائلها ؟ من منا يجر الآخر ، حتما كانت هي الفاعلة في تلك اللحظة ، ولكن إلى أين وإلى متى ؟
سؤال شتته قرع أقدامي ، وأقدام من خلفي يستحثونني على الإسراع …
مررنا بالخرطوم الطويل المؤدي لقاعة تفتيش الجوازات ، و النظر في الأوراق السابقة التي عبأناها في الطائرة ‘
كنت أتبسم ابتسامة سخرية من نفسي !!!
أحمل أسفارا وأوراقا معي لهم ، ولكن كيف سأفهّـمه حينما يخاطبني ، وأنى لي الإجابة بعده؟ا .
صمتّ صمت العاجز وقلت :
دع المقادير تجري في أعنتها ….
ومضيت مع الماضين ، كنت أتلفت حولي أبحث عن سعودي، أو عربي قريب _غير مشغول بعائلته _يشد أزري ، ويساعدني إذا ضاقت بي الحيل ،
لم أرَ أحدا قريبا من نبضاتي غير بقايا أمل ، وتجميع لقوى توشك أن تخور .
برقت في شفتي ابتسامة سخرية أخرى من نفسي حين تذكرت " العم قصادي بداحي " وقد كان يصب علينا العبارات الإنجليزية ليل نهار ؛ تفكّــهاً بها ولم نعره اهتماما حينها ، لقد كان يقول مازحا : "هاو آر يو ، ثانك يو ، ويلكم ، سفن أب ، حليب سعودي ، خالتي عيش "
ضحكت في صمت ودعوت له بخير وتساءلت :
هل كانت خالتي قادرة على انتشالي من هذا المأزق ؟!!
لم تجبني خالتي ،أو حتى خالته ….
في هذه الأثناء سمعت صوتا يناديني : التالي لو سمحت …
آه لو كنت أطير !!
كنت سأمتطي أجنحتي قافلا إلى الديار حيث أكتفي بالعربية وألاعبها وتلاعبني ، وأحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري …
مضيت إلى مصدر الصوت لاتكاد تحملني قدمي .
ابتسمت له ابتسامة صفراء كما لم أفعل من قبل .
سمعت كلمة لا أظنني أجهلها أبدا " باسبورت بليز " الجواز أرجوك فقلت : نعم بالطبع ‘ وعنّـت لي فكرة خبيثة ؛ احتراما لتساؤلات سيطلقها بعد قليل ، ولن يجد لها إجابة " موليّه "
فتحت حقيبتي ، ورميت عليه بكل أوراقي التي كنت علمت من أصدقائي سلفا بأنه سيطلبها .
قلت له : هذا كل شيء .
وبدأ الكرب والهم عندما وضع عينه في عيني وبدأ " يبربر علي وأنا ياغافلين لكم الله :
استجمعت قواي ، وقلت له بكل ثقة : آسف ، لاأتحدث الإنجليزية مطلقا .
كنت أحسب أنه سيكف ويكتفي بالأوراق التي في يده ، ولكنه عاد يسألني _وأنا كأنما على رأسي الطير_ .
طبعا لم أفهم شيئا بتاتا البتة ، ولكني تذكرت نصيحة زملائي بأنه سيسألك :
هل هذه زيارتك الأولى ؟وأسباب الزيارة ؟ وكم ستقعد هنا ؟ ومدة التأشيرة ؟ وأوراق المعهد ؟ وهل لديك قبول جامعي ؟ وما تخصصك ؟ ولماذا لم تدرسه في السعودية ؟ وهل سبق لك أن زرت دولة أوروبية قبل الآن ؟ ويجب عليك التسجيل في الشرطة في مدة أقصاها أسبوع ؟
واكتب لي عنوانك هنا ؟
بدأت " ألقّط "بعض الكلمات التي حضرتها تجهيزا لإجابة مقتضبة جدا.
فقلت له :
سعودي ،ماستر ،مانشستر ،سنة ،ييس وهذه الأخيرة أذكر أنني قلتها كثيرا ولا أدري ما السؤال ؟ ، لأني أحب بريطانيا ، وسأقيم في فندق"
" أنتم الآن وصلوا الإجابات الصحيحة بأسئلتها لاهنتم "
سهلة صح … ؛ لأنها بالعربي " فقد قمت أجيب بأشياء لا أدري ما أسئلتها " وأنا أعيّط "
المشكلة أن هناك بعض الأوراق في يده كفيلة بالإجابة على كثير من الأسئلة ولكنه " يستعبط "
ومن تلك الأوراق : الجواز ، والقبولات ، والتأشيرات ، كما أني عبأت ورقة في الطائرة وسلمتها له عن كونها الزيارة الأولى ، والأهداف منها ، والإقامة الفندقية …..
مشكلة الإنجليز والأمريكان أنهم :
يظنون أن أمك أو أباك أو جدك مولود في بلاد إنجليزية ، أو أن العالم ليس فيه إلا هذه اللغة وبالتالي يتحتم عليك أنك تتكلمها لغةً أمّا،
تقول له :
لاأتحدثها فلا يراعي ، وربما معك مايقضي ضروراتك الملحة ، وتخاطبه ، وتنبهه بأن لغتك ضعيفة فلا يكترث، بل ربما أعاد عليك الجملة السابقة التي استوقفته عندها بتنبيهك رب