مذكرات & مغترب ” الحلقة الثالثة “
كتبهاسـفـيـر الحب ، في 31 يوليو 2009 الساعة: 22:46 م
وقفت الطائرة ، وتهيأنا للنزول ، كلٌ يريد المضي لوجهته ، تجمعنا الغايات ، وتفرقنا السبل والوسائل …
بدأ الطابور يتحرك أمامي خارجا من الطائرة ، فتبعت قدمي أسائلها ؟ من منا يجر الآخر ، حتما كانت هي الفاعلة في تلك اللحظة ، ولكن إلى أين وإلى متى ؟
سؤال شتته قرع أقدامي ، وأقدام من خلفي يستحثونني على الإسراع …
مررنا بالخرطوم الطويل المؤدي لقاعة تفتيش الجوازات ، و النظر في الأوراق السابقة التي عبأناها في الطائرة ‘
كنت أتبسم ابتسامة سخرية من نفسي !!!
أحمل أسفارا وأوراقا معي لهم ، ولكن كيف سأفهّـمه حينما يخاطبني ، وأنى لي الإجابة بعده؟ا .
صمتّ صمت العاجز وقلت :
دع المقادير تجري في أعنتها ….
ومضيت مع الماضين ، كنت أتلفت حولي أبحث عن سعودي، أو عربي قريب _غير مشغول بعائلته _يشد أزري ، ويساعدني إذا ضاقت بي الحيل ،
لم أرَ أحدا قريبا من نبضاتي غير بقايا أمل ، وتجميع لقوى توشك أن تخور .
برقت في شفتي ابتسامة سخرية أخرى من نفسي حين تذكرت " العم قصادي بداحي " وقد كان يصب علينا العبارات الإنجليزية ليل نهار ؛ تفكّــهاً بها ولم نعره اهتماما حينها ، لقد كان يقول مازحا : "هاو آر يو ، ثانك يو ، ويلكم ، سفن أب ، حليب سعودي ، خالتي عيش "
ضحكت في صمت ودعوت له بخير وتساءلت :
هل كانت خالتي قادرة على انتشالي من هذا المأزق ؟!!
لم تجبني خالتي ،أو حتى خالته ….
في هذه الأثناء سمعت صوتا يناديني : التالي لو سمحت …
آه لو كنت أطير !!
كنت سأمتطي أجنحتي قافلا إلى الديار حيث أكتفي بالعربية وألاعبها وتلاعبني ، وأحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري …
مضيت إلى مصدر الصوت لاتكاد تحملني قدمي .
ابتسمت له ابتسامة صفراء كما لم أفعل من قبل .
سمعت كلمة لا أظنني أجهلها أبدا " باسبورت بليز " الجواز أرجوك فقلت : نعم بالطبع ‘ وعنّـت لي فكرة خبيثة ؛ احتراما لتساؤلات سيطلقها بعد قليل ، ولن يجد لها إجابة " موليّه "
فتحت حقيبتي ، ورميت عليه بكل أوراقي التي كنت علمت من أصدقائي سلفا بأنه سيطلبها .
قلت له : هذا كل شيء .
وبدأ الكرب والهم عندما وضع عينه في عيني وبدأ " يبربر علي وأنا ياغافلين لكم الله :
استجمعت قواي ، وقلت له بكل ثقة : آسف ، لاأتحدث الإنجليزية مطلقا .
كنت أحسب أنه سيكف ويكتفي بالأوراق التي في يده ، ولكنه عاد يسألني _وأنا كأنما على رأسي الطير_ .
طبعا لم أفهم شيئا بتاتا البتة ، ولكني تذكرت نصيحة زملائي بأنه سيسألك :
هل هذه زيارتك الأولى ؟وأسباب الزيارة ؟ وكم ستقعد هنا ؟ ومدة التأشيرة ؟ وأوراق المعهد ؟ وهل لديك قبول جامعي ؟ وما تخصصك ؟ ولماذا لم تدرسه في السعودية ؟ وهل سبق لك أن زرت دولة أوروبية قبل الآن ؟ ويجب عليك التسجيل في الشرطة في مدة أقصاها أسبوع ؟
واكتب لي عنوانك هنا ؟
بدأت " ألقّط "بعض الكلمات التي حضرتها تجهيزا لإجابة مقتضبة جدا.
فقلت له :
سعودي ،ماستر ،مانشستر ،سنة ،ييس وهذه الأخيرة أذكر أنني قلتها كثيرا ولا أدري ما السؤال ؟ ، لأني أحب بريطانيا ، وسأقيم في فندق"
" أنتم الآن وصلوا الإجابات الصحيحة بأسئلتها لاهنتم "
سهلة صح … ؛ لأنها بالعربي " فقد قمت أجيب بأشياء لا أدري ما أسئلتها " وأنا أعيّط "
المشكلة أن هناك بعض الأوراق في يده كفيلة بالإجابة على كثير من الأسئلة ولكنه " يستعبط "
ومن تلك الأوراق : الجواز ، والقبولات ، والتأشيرات ، كما أني عبأت ورقة في الطائرة وسلمتها له عن كونها الزيارة الأولى ، والأهداف منها ، والإقامة الفندقية …..
مشكلة الإنجليز والأمريكان أنهم :
يظنون أن أمك أو أباك أو جدك مولود في بلاد إنجليزية ، أو أن العالم ليس فيه إلا هذه اللغة وبالتالي يتحتم عليك أنك تتكلمها لغةً أمّا،
تقول له :
لاأتحدثها فلا يراعي ، وربما معك مايقضي ضروراتك الملحة ، وتخاطبه ، وتنبهه بأن لغتك ضعيفة فلا يكترث، بل ربما أعاد عليك الجملة السابقة التي استوقفته عندها بتنبيهك ربما أعادها بسرعة أكبر " افهم وإلا عساك مافهمت "
نحن الذين إذا جاءنا الهندي والباكستاني والبنقالي نكسر عربيتنا ، وندوس كلماتها وحروفها حت توصل له المعنى العام جدا .
هنا لايعترفون بكل هذه التنزلات للأجنبي ، بل ربما صعبوا عليه " غلازة كدا "
حتى إنهم في فرنسا " لايكلمون الأجنبي إلا بلغتهم الفرنسية تقديرا لها "
يعني : " كثر لي من العربي والإنقليزي هناك "
عموما :
بعد أن قضيت أطول نصف ساعة في حياتي، مد إلي بأوراقي ، وكدت أقبّل يده ؛ لأنه " حيفكني من وجهه _إن شاء الله _ لوجه الله "
وأنا أجمع أمتعتي قبل الانصراف من عنده " سويت نفسي ثقيل " ،ورمقت من ورائي بنظرة عفوية كأنما أتفقد بقية أغراضي ،وأني لم أنسَ شيئا ،
وكانت المفاجأة !!!!!!!!!!!!!!!!!!!
رأيت العالم كلهم ينظرون إلي، ثم إلى ساعاتهم ،ولسان حالهم يقول : " والله البلشة "
" من وين طلع لنا الخايب ده "
مضيت أبحث عن سيارة أجرة ، وعيناي لاتكادان تصبران على النوم ،
جاءني رجل في الخارج عليه ملابس الأمن ومعه جهاز الاستدعاء ، قلت له : " تكسي بليز "وأنا واثق أنها صح إنقليزيا " بعد إيه "
كلمني بالعربي !!!!!! فقلت في نفسي فرحا !!!
"الله من وين طلعت لي هذي المعجزة "
شكّيت وقلت له " سوري "
أقصد أنا : آسف يعني : ما سمعت .
قال لي "نو نو نو " بالإنقليزي ، ثم رجع يكلمني باللغة الوحيدة التي أفهمها
قال لي : "هو انته من فين " عرفت اللهجة " رغم أني صار لي وقت طوييييييييييييييل جداااااااااا ماتكلمت عربي يمكن" سبع ساعات _ " إلا أنني اشتقت إليها
الأخ من مصر ؟ حياك الله ، فرصة سعيدة ، كيف حالك ؟" كما يفعل العرب = نصف ساعة ترحيب "
قال لي من فين : فأجبته : سعوووووووووووودي ….
فقال كلمة بالعربي لو قالها لي بالإنجليزية لفهمتها والله ولعرفت أنه مصري أبا عن جد " قح "؛ لأنه لايقولونها إلا هم "
لقد قال بعد أن سمع مني بأني سعودي : أقدع نااااااااااااااااااااااااااااااااس والله ….!!!
طلب لي أجرة مشكورا ، وجاء السواق ، وقبل أن أركب " على بالي في البطحاء "
قلت له : بكم توصلني ؟ وأعطيته ورقة فيها عنوان المعهد .
وهناك لايتعاملون إلا بالعداد ، " والحسّابة بتحسب والكيلو بخمس جنيه بس إسترليني "
فأشفق علي ّ ، وكلمه المصري بالإنجليزية " الواد ده غلبااااااااااااااااان ، اكسب فيه خير "
أكاد أجزم أنه قالها من تعابير وجهه _ جزاه الله خيرا .
على فكرة : المصري هذا لم يكن شكله عربيا أبدا ،كأنه مولود هنا ، لأبوين مولودين هنا، لجدين مهاجرين من هنا …!
" وحلوها أنتم بكيفكم = واحد من زمان مانااااااام "
وانطلقت بنا تلك الأجرة تشق الطريق إلى طريق آخر مجهوووووووووووووووووووووووووول….
" سأحكي لكم لاحقا ماذا حصل عندما وصلت المعهد الخاطئ جدا "
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























